الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
367
نفحات الولاية
قصارى جهده من أجل النهوض بعمله وتطوير حياته ، مع ذلك لابدّ أن يعلم بأنّ الذات الإلهية هي مصدر كل خير وبركة ونعمة وعطاء . إلّاأنّ الغرور والكبر وحب الذات قد يجعل الإنسان غافلًا عن هذه الحقيقة فيرى نفسه مستقلًا في مقابل اللَّه فتتشوه بنظره جميع الأشياء . هذا الانقطاع عن اللَّه هو ايكال الإنسان إلى نفسه ؛ وهو أساس بؤس الإنسان وشقائه . ومن هنا ترى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لا ينفك عن التضرع إلى ربّه منادياً : « اللّهم . . . لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً » « 1 » وهو ذات المعنى الذي صرّح به أمير المؤمنين علي عليه السلام : « إلهي كفى بي عزا أن أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً » « 2 » كما ورد ذلك عن المعصوم عليه السلام قوله : « إنّك ان وكّلتني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير » « 3 » . وما أن يفرغ الإمام عليه السلام من بيان السبب الرئيسي لشقوة هؤلاء حتى يتطرق إلى افرازات ذلك الشقاء ليوجزها في ثمانية ارتبطت مع بعضها برباط العلة والمعلول فقال عليه السلام : « فهو حائر عن قصد السبيل » والمراد بقصد السبيل هو الحد الوسط الفاصل بين الإفراط والتفريط والذي يوصل الإنسان إلى اللَّه ؛ الأمر الذي أشار له القرآن الكريم بالقول « وَعلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ » « 4 » ومن البديهي أنّ الإنسان إنّما يستطيع تمييز السبيل - الذي صورته الروايات بأنّه أرفع من الشعرة وأحد من السيف - من بين آلاف السبل الانحرافية إذا شملته الألطاف والعنايات الإلهية ؛ امّا إذا انفصل عن اللَّه ووكل إلى نفسه فإنه سيعيش الحيرة والقلق التي تنتهي به إلى الضلال والسقوط في الهاوية . الافراز الثاني « مشغوف بكلام بدعة » ومن هنا ينطلق نحو الافراز الثالث « ودعاء ضلالة » . شغف من مادة شغاف على وزن كلاف بمعنى المولع بالشيء حتى بلغ حبه شغاف قلبه ، وهو غلافه ؛ وهو التعبير الذي أورده القرآن الكريم بشأن حب زليخا لنبي اللَّه يوسف عليه السلام على لسان طائفة من نساء مصر « قد شغفها حباً » ، فالعبارة إشارة إلى أنّ مثل هؤلاء الأفراد
--> ( 1 ) بحار الأنوار 83 / 153 . ( 2 ) بحار الأنوار 91 / 94 . ( 3 ) بحار الأنوار 83 / 152 . ( 4 ) سورة النحل / 9 .